خطاب أوباما: الرابحون والخاسرون

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • خطاب أوباما: الرابحون والخاسرون
  • Page 2

عشية خطاب أوباما التاريخي الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من تحت قبة جامعة القاهرة، حرص مرشد الثورة في إيران علي خامنئي على القول إن 'الشعارات لن تغير كراهية شعوب المنطقة للولايات المتحدة'، فيما كان رئيس الجمهورية الإسلامية محمود أحمدي نجاد يؤكد أن 'البلدان التي كانت تطلق التهديدات ضد إيران بالأمس، أصبحت اليوم توجه الرسائل والبيانات إليها'. لقد استبق الزعيمان الإيرانيان خطاب أوباما بتمترس وزهو أجوف... لقد برهنا على أنهما ضمن الخاسرين من جراء هذا الخطاب.
 
من بين التعليقات المهمة التي انهمرت على هذا الخطاب التاريخي ما قاله جون بينر زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي، الذي أعرب عن قلقه لأن أوباما 'ألقى باللوم بالتساوي بين الفلسطينيين والإسرائيليين'، وهو التعبير نفسه الذي صدر عن عدد من المنظمات الفلسطينية، التي اتهمت الرئيس الأميركي بالمساواة ما بين 'الضحية والجلاد'.
 
تعبير 'الضحية والجلاد' نفسه استخدمته قوى إسرائيلية يمينية وبعض الصحف العبرية، التي تتخذ خطاً متشدداً في مقاربة الشأن الفلسطيني. الخلاف الوحيد كان يتعلق بالطرف الذي يُعتبر 'ضحية' والطرف الذي يمثل صورة 'الجلاد'، لكن الجانب المؤيد لحق الشعب الفلسطيني في الاحتفاظ بلقب 'الضحية' وحيداً، والجانب الذي تشدد في احتفاظ إسرائيل وحدها بالحق في اللقب ذاته، اتفقا كلاهما على شيء واحد فقط... مفاده أن أوباما أخطأ إذ ساوى بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني في ضرورة تجاوز المعاناة والعمل من أجل السلام... يبدو أن الجانبين في تشددهما خسرا أيضاً جراء الخطاب.
 
لن تجد كثيرين قادرين على التقليل من أهمية خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي، بل، على العكس تماماً، ستجد من يعول عليه بأكثر مما يجب، وربما يعتبره مؤشراً إلى انتهاء عصر 11 سبتمبر بتداعياته المختلفة وتأثيراته الواسعة على مناخ العلاقات الدولية ومستقبل تعايش الغرب والعالم الإسلامي. والشاهد أن هذا الخطاب ينطوي على أهمية لا يمكن إنكارها، كما أنه فرز العالم إلى قسمين؛ أحدهما متفائل ومؤيد والآخر متشائم ومنتقد.
 
لقد اجتهدت وسائل الإعلام في أنحاء العالم المختلفة في محاولة رصد ردود الفعل على الخطاب التاريخي، وبدا واضحاً من هم هؤلاء الذين عوَّلوا على الخطاب وأظهروا اهتمامهم وتفاؤلهم به وبتداعياته، ومن هم أولئك الذين هاجموا الخطاب واعتبروه حلقة من حلقات الهزل أو الخداع الأميركي لشعوب العالم المستضعفة من جانب، أو تراجعاً عن صورة أميركا المنتصرة وإعلاناً عن هزيمتها من الداخل من جانب آخر.
 
سيكون الخطأ فادحاً إذا حاولنا أن نعرّف الخاسرين والرابحين من جراء الخطاب استناداً إلى الموقف المعلن إزاءه... ببساطة فإن الحديث عن أن كل من انتقد الخطاب هو أحد الخاسرين، وأن كل من مدحه هو رابح محض تبسيط مخل. 
 
الخطاب أيضاً لم يكن جائزة في حد ذاته، يجدر بنا أن نحدد من فاز بها ومن لم يصبه الحظ، لكنه كان محاولة لتدشين عصر جديد في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي، ومراجعة لحقبة من السياسات التي هيمنت على المنطقة والعالم أجمع، فأوصلتنا إلى أحداث 11 سبتمبر أو ترتبت عليها، وإشارات إلى نوايا جديدة صادرة عن أقوى دول العالم وأكثرها قدرة على صوغ العلاقات الدولية والتأثير في تفاعلات القوى والصراع.
 
الأمم المتحدة أيدت الخطاب، وهي أيضاً أحد الرابحين بسببه؛ فاستمرار حال الصراع الغربي- الإسلامي وهيمنة أجواء سوء الفهم واندفاع العالم إلى مزيد من الصراعات في ظل الهيمنة الأميركية على المنظمة الدولية، وضع سمعتها على المحك، بل بدا أحياناً أن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على الاستمرار في إقناع العالم بضرورة بقائها في الأساس إذا كانت تتحول مطية لأهداف مغرضة لإدارة مثل تلك التي حكمت في واشنطن لولايتين متتاليتين قبل وصول أوباما.
 
منظمة المؤتمر الإسلامي أيضاً رحبت بالخطاب وهي أيضاً أحد الرابحين، وكذلك فعلت جامعة الدول العربية، التي يخفف التوجه الأميركي الجديد الكثير من الضغوط التي تتعرض لها، ويساعدها على صوغ خطاب أكثر تماسكاً وإيجابية وأقل يأساً، ويخلق لها عدداً من الخيارات ومجالات الفعل، التي يمكن أن تحقق فيها بعض الإنجاز.
 
مصر والسعودية والأردن والدول العربية المصنفة معتدلة ربحت كثيراً جراء خطاب أوباما وزيارته للمنطقة. فمن جهة، تستطيع تلك الدول أن تبرهن اليوم على أن النهج الذي اتبعته كان صحيحاً، وأنها راهنت على البقاء على توجهاتها رغم كل 'المعاندة' التي واجهتها من إدارة بوش، ومن جهة أخرى، فقد تلقت دعماً مباشراً لأدوارها من إدارة أوباما.
 
لم يعد المطروح الآن ما بين واشنطن والقاهرة والرياض هو قدرة العاصمتين الأخيرتين على تحقيق الديمقراطية وتحسين سجلات حقوق الإنسان والمضي قدماً في إجراءات تطبيع غير مسؤول وغير مبرر ومجاني مع الدولة العبرية، في مقابل أن تستمر العلاقات الحسنة مع الولايات المتحدة أو أن تكف تلك الأخيرة عن الإساءة والاستهداف، لكن المطروح بين العاصمتين العربيتين الرئيستين وواشنطن بات يتعلق باحترام متبادل ومصالح مشتركة وإيجاد الوسائل لتحقيق رؤية متفق عليها.
 
كانت السعودية تخضع لإعادة تشخيص من قبل أطراف نافذة في الإدارة الأميركية إبان حكم بوش، تتعلق بمحاولة تعريفها على أنها 'عدو'، بل رشحت أحياناً للغزو، وكان مبارك غير قادر، لأربع سنوات، على ترتيب زيارة سنوية للولايات المتحدة دأب عليها منذ وصل إلى السلطة مطلع الثمانينيات الفائتة. اليوم... يستمع أوباما إلى نصائح من الملك عبدالله، ويصف مبارك بأنه 'قوة خير واستقرار في المنطقة'، ويخص البلدين بزيارة وخطاب تاريخيين، حيث يعلن 'بداية جديدة' للعلاقات بين بلاده والعالم الإسلامي'. لا شك أنه مكسب كبير.
 
الولايات المتحدة كسبت الكثير جراء خطاب أوباما ومبادرته، التي لم تتضمن أي إجراءات تنفيذية أو مبادرات محددة ولا تتخطى الإفصاح عن النوايا وفق ما يقول نقاده.
 
بخطاب أوباما استطاعت واشنطن أن تخفف بعضاً من الخراب الذي نتج عن إدارة جورج بوش الخرقاء لأزمات هذا الجزء من العالم، كما أنها لم تعتذر أيضاً، بل لم ترتب عليها أي التزامات قد تعجز عن الوفاء بها، كما استطاعت أن تحصد الكثير من الإعجاب والتأييد، بعدما كانت مرادفاً للكراهية والصور السلبية الممقوتة بين شعوب العالم الإسلامي، وهو مكسب كبير بتكلفة قليلة.
 
أما الخاسرون الذين سينضمون إلى خامنئي ونجاد والجناح الإيراني المحافظ، فلا شك أن أبرزهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وتنظيم 'القاعدة' ككل وغيره من التنظيمات التي صنفت على أنها 'إرهابية'.
 
ذرائع أسامة للاستمرار في ما هو عليه باتت اليوم أقل مما كانت عليه أيام بوش. الأقلية الجمهورية في الكونغرس الأميركي ومناصرو إدارة بوش عموماً واليمين الأميركي، كلهم خسروا خسارة كبيرة، على الأقل لأن مشروعهم الضخم باتخاذ الإسلام عدواً يتعرض لضربة موجعة.
 

الجريدة
No votes yet